لا توجد مناسبة للحديث عن قوة النساء في الأردن اليوم، أكثر من الاعتراف الذي تقدمه وثيقة "الأردن 2025"، بأن ضعف المساهمة الاقتصادية للمرأة تعد من بين أهم أربعة اختلالات تواجه المملكة. لكن الوثيقة التي تحدثت بوضوح في هذا الشأن، لم تضع اليد بشكل مباشر على طبيعة وحجم الاعتلالات الاجتماعية والقانونية والإدارية التي تحد من نمو قوة مشاركة المرأة الأردنية في سوق العمل.
الاختلالات الاقتصادية-الاجتماعية، بحسب الوثيقة، هي: الفجوة التنموية بين المحافظات، وارتفاع نسب البطالة والفقر، وتدني حجم مشاركة المرأة في سوق العمل، وتراجع تنافسية الأردن في العديد من المؤشرات. ويبدو أن جميع هذه الاختلالات مرتبطة، بشكل مباشر وغير مباشر، بأوضاع المرأة. فهذا الاختلال هو بيت القصيد وبيت الأسرار الذي لم يسبق أن حاولنا ولوجه بجدية حقيقية؛ أي أننا لم ندخل نضالا اجتماعيا وسياسيا لإصلاح الاقتصاد والمجتمع، من مدخل العدالة "الجندرية"، وانتصارا لكرامة الإنسان الأردني، ما عدا الأشكال الرمزية لممارسات بعض مؤسسات المجتمع المدني أو بعض الناشطين، والذين يعاني الكثير منهم -وليس كلهم- من الانفصال عن الواقع.
فالمعركة الفعلية لتحقيق هذه العدالة، لا ترتبط فقط بالإرادة السياسية، بل أيضا بالإرادة المجتمعية، ومواجهة تحالف القوى الاجتماعية التقليدية مع القوى السياسية المستفيدة من استمرار هذه التركيبة. وقد جربنا سلسلة من الاستراتيجيات والبرامج الوطنية في هذا المجال، كان حصادها لا شيء حقيقيا؛ من أهمها الاستراتيجيات المتخصصة بالمرأة، والأجندة الوطنية، وقبل ذلك الإشارة المقلقة لأوضاع المرأة في تقرير التنمية الإنسانية العربية.
المدخل الاقتصادي-الاجتماعي قد يُحدث بعض الفرق. وعلينا اليوم التركيز على الحقيقة الصادمة بشأن المشاركة الاقتصادية. فوفقا للبنك الدولي، تتراجع مكانة الأردن إلى حد مزعج في قوة المشاركة الاقتصادية؛ إلى المرتبة 215 من أصل 218 دولة، بمعنى أن 37 % من الأردنيين في سن العمل هم ناشطون اقتصاديا، وهناك 62 % غير ناشطين اقتصاديا، أي لا يعملون. ويعود ذلك، في المقام الأول، إلى تدني مشاركة المرأة في سوق العمل، والتي لا تتجاوز 15 % مقارنة مع معدل مشاركة المرأة في سوق العمل في دول المنطقة المحيطة، الذي يتجاوز 30 %، كما المعدل العالمي الذي يصل إلى 51 %. ويحدث هذا في مجتمع تصل نسب الإناث في جامعاته إلى أكثر من 52 % من الطلبة. هذا الواقع الصادم يحتاج حالة طوارئ وطنية، بالمعنى الحقيقي للكلمة.
الدرس القديم-الجديد الذي لم نشتغل عليه بجدية، مفاده أن التحرير الاقتصادي للإنسان؛ المرأة والرجل على السواء، هو الأساس الموضوعي للتحرر الاجتماعي والسياسي والثقافي. إذ إن لم نحرر المرأة اقتصاديا؛ بأن تتحول من مُعالة إلى منتجة، فإنه لا يمكن أن تتحول إلى قوة دافعة لأشكال التحرر الأخرى كافة، والتي ستقود بدورها إلى تحرير المجتمع بأكمله، فالمعضلة كثيرا ما كانت في الإنتاج.
لا ندري إلى هذا الوقت كيف ستترجم البرامج التنفيذية لرؤية "الأردن 2025" هذه المعطيات إلى خطط تنفيذية فعلية؛ وكيف يمكن أن تتلقف الحركة النسائية الأردنية هذه الفرصة بإعلان حالة طوارئ فعلية، من مدخل الإنتاج هذه المرة؛ أي أن يحتل حق المرأة الأردنية في العمل أولوية الأجندة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.