الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

الرئيس التونسي يدعو المنقبات إلى التخلص من النقاب الغريب عن المجتمع للمشاركة في الحياة العامة.

  • 1/2
  • 2/2

تونس ـ منور الميليتي - "وكالة أخبار المرأة "

دعا الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي "المنقبات" إلى "كشف وجوههن للمشاركة في الحياة العامة أو البقاء في منازلهن"، في تصريح بدا مؤشرا قويا على أن تونس بقدر ما تحترم حرية اللباس بقدر ما ترفض المساس من المكاسب التي تحققت للمرأة التونسية في ظل دولة الاستقلال وفي مقدمتها مكسب الحرية الذي يتناقض مع مشروع الجماعات السلفية التي تسعى إلى "فرض نمط مجتمعي غريب عن المجتمع التونسي ويتناقض مع مشروع الحداثة الذي يراهن على دور المرأة باعتبارها مواطنة.
وقال قايد السبسي في محاضرة ألقاها في معهد السلام بواشنطن في أعقاب زيارته للولايات المتحدة الأميركية، انه "يحترم حرية اللباس مثل النقاب لكن شريطة أن تبقى المرأة المتنقبة في منزلها. وشدد على أن "المتنقبات مدعوات إلى الكشف عن وجوههن إذا قررن المشاركة في الحياة الاجتماعية والعمل داخل مؤسسات الدولة".
وسعت الجماعات السلفية التي قويت شكتها خلال السنوات الأربع الماضية إلى "نشر النقاب" في الفئات الهشة بالأحياء الشعبية والجهات المحرومة مستفيدة من الفقر المدقع ومن نسب الأمية المرتفعة في صفوف النساء، ما جعل من النقاب ظاهرة ناتئة في مجتمع كثيرا ما راهن على حرية المرأة وعلى مشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وعادة ما يكون ارتداء النقاب المرحلة الأولى لتجنيد المنقبات في خلايا الجماعات الجهادية التي تتولى تسفيرهن إلى بؤر التوتر في سوريا والعراق للالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية.
وأحصى المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية الأمنية والعسكرية أكثر من 700 امرأة تونسية التحقت بتنظيم "الدولة الإسلامية" وأكثر من 100 امرأة في السجون التونسية بتهم تتعلق بنشاط إرهابي.
ولا حظ السبسي أن "تونس تعد من أكثر البلدان التي تحترم حقوق الإنسان"، غير أنه أشار إلى أن حرية الإنسان يجب أن لا تذهب نحو حرية الإساءة، مؤكدا أنه مع الحرية المسؤولة.
وجاءت دعوة السبسي بعد أن أصدر مفتي تونس الشيخ حمدة سعيد فتوى تنفي "أية صفة شرعية" للنقاب الذي ما انفك يثير جدلا في الأوساط السياسية والثقافية ولدى المنظمات النسوية الناشطة في مجال حقوق المرأة.
وقال سعيد أن النقاب "لا هو بالفرض الشرعي ولا هو بالسنة" ملاحظا أنه "من حق الدولة تقييده إدا تعلق الأمر بمصلحة البلاد والمجتمع".
وشدد سعيد على "إن النقاب عند جمهور الفقهاء ليس واجبا بالدين ولا هو سنة ثابتة"، مستشهدا بعدد من الأحاديث النبوية المؤيدة لهذا الرأي.
وأوضح أنه "إذا اعتبر النقاب وغيره من أشكال اللباس حرية شخصية من باب حرية اللباس كما نص على ذلك الدستور، فللدولة الحق في أن تقيد هذا المباح إذا تعلق ذلك بمصلحة البلاد والمجتمع بناء على قاعدة دفع المضرة مقدم على جلب المصلحة".
وتعد فتوى سعيد بـعدم شرعية النقاب الأولى من نوعها خلال السنوات الأربع الماضية حيث انتشرت ظاهرة النقاب في تونس بشكل ملفت للنظر خاصة في الأحياء الشعبية والجهات الداخلية حيث تعشش مظاهر الفقر والنسب العالية من الأمية.
ورغم أن ظاهرة ارتداء النقاب تبدو محدودة جدا في مجتمع يرى فيها ظاهرة غريبة ودخيلة تنم عن احتقار للمرأة التي تفتخر بحريتها وبانفتاحها، فإن تعدد حالات القبض على إرهابيين وهم متخفين خلف هدا اللباس أثار مخاوف من انتكاسة للحرية التي تتمتع بها التونسيات.
ارهابيون بالنقاب
وكانت الأجهزة الأمنية التونسية كشفت أنها تواجه صعوبات في تفكيك الخلايا الإرهابية" نظرا لأن الإرهابيين يتخفون بارتداء النقاب، ما يجعل التعرف إليهم أمرا عسيرا.
وأضافت أنها ألقت القبض على عناصر إرهابية خطيرة متخفية بلباس النقاب، ورجحت أن عددا من الإرهابيين نجحوا في الإفلات من قبضة قوات الأمن بعد أن تخفوا وراء هذا اللباس.
وقال مصدر أمني في تصريحات سابقة "تمكنا من اعتقال العشرات من الإرهابيين وهم متخفين بالنقاب في تونس العاصمة وفي مدينة سوسة وفي مدينة المنستير وفي مدينة جندوبة وفي محافظة القصرين" المتاخمة لجبال الشعانبي، مضيفا قوله "نجحنا في تفكيك خلايا إرهابية بعد عناء كبير لأن عناصرها كانت تتنقل بسهولة من مدينة إلى أخرى متخفين بلباس النقاب".
ولم يستبعد نفس المصدر أن تكون العناصر الإرهابية التي مازالت تلاحقها الأجهزة الأمنية أفلتت من القبض عليها لأنها تتخفى في تحركاتها وراء النقاب، مشددا على أن "اللباس زاد في تعقيد مهمة الأجهزة الأمنية في ملاحقة الإرهابيين" وطالب بـإصدار قانون يخول للأمنيين كشف وجه كل من يشتبه به أو بها.
وأثار أسلوب التخفي هذا الذي تنتهجه العناصر الإرهابية مخاوف جدية لدى أكثرية التونسيين من خطورة الجماعات الجهادية على أمن البلاد الأمر الذي دفع بمفتي تونس إلى الإفتاء بـمنع النقاب بعد أن تحول إلى لباس في خدمة الإرهاب.
وأصدر سعيد، فتوى سابقة "تمنع ارتداء النقاب لضرورات أمنية" ليقدم "غطاء دينيا للأجهزة الأمنية يجيز لها الكشف عن وجه المنقبات"، معللا فتواه بـ"أن مخاطر الإرهاب التي تهدد المجتمع تبيح هدا المنع".
وقال سعيد إن "استعمال النقاب في أغراض إرهابية للإضرار بالمجتمع، وقتل الذات البشرية يجعله في حكم المحرمات شرعا، وذلك استنادًا إلى قاعدة أصولية شرعية إسلامية تفيد بأن درء المفسدة أولى من جلب المصلحة".
غير أن الفتوى التي أصدرها في 4 مايو/ايار 2015 تعد الأولى من نوعها لكونها تعتبر النقاب "لباسا غير شرعي، لا هو بالفرض ولا هو بالسنة وإنما يدخل ضمن حرية اللباس".
وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنها "ستشدد الرقابة" على كل الأشخاص الذين يرتدون نقابا، وأوضحت أن هذا القرار يأتي "في ظل التهديدات الإرهابية التي تشهدها البلاد ونظرا لتعمد بعض المشتبه بهم والمطلوبين للعدالة إلى ارتداء النقاب بقصد التنكر والإفلات من الأجهزة الأمنية".
شيوخ جامع الزيتونة
ويؤيد فتوى سعيد عدد من شيوخ جامع الزيتونة مثل خميس العبيدي الذي قال إنه "يحق للسلطة القائمة منع ارتداء النقاب في الأماكن العامة درءا للمفسدة إذا كان استعماله ينطوي على مساس بالأمن العام وتهديد لاستقرار المجتمع".
وأفتى العبيدي بأن "اللباس الوحيد للمرأة هو الحجاب ولا وجود في الشريعة الإسلامية للنقاب" بل ذهب إلى أبعد من دلك حين شدد في فتواه على أن "استعمال النقاب في أغراض إرهابية للإضرار بالمجتمع وقتل الذات البشرية يجعله في حكم المحرمات شرعا".
وألبت فتوى الشيخ العبيدي عليه الجماعات السلفية حتى أنها رمته بالكفر وبـ"التشريع لانتهاك حدود الله".
وقال الشيخ العبيدي "انه يتوجب على الحكومة أن تمنع ارتداء النقاب حتى لا يتسنى للإرهابيين والعناصر الإجرامية استغلاله لتنفيذ مخططاتهم".
ولم يتعرض الفقهاء التونسيون المستنيرون وفي مقدمتهم العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتبهم إلى النقاب لأنه لم يكن منتشرا في المجتمع التونسي وإنما تحدثوا فقط عن الحجاب مؤكدين أنه يجوز للمرأة كشف الوجه واليدين.
ويستدل عدد من الفقهاء على أن النقاب "ليس لباسا شرعيا" بالآية الكريمة من سورة "النور"، "وقل للمؤمنين يغضوا أبصارهم .." لافتين إلى أن غض البصر لا معنى له إذا كانت النساء منقبات.
وعلى الرغم من أن المنقبات لا يمثلن سوى 3 بالمائة من النساء وفق بعض التقديرات فإن ظاهرة النقاب باتت تؤرق أكثرية التونسيين ما حدا بعديد المنظمات النسوية الناشطة في مجال حقوق المرأة لإطلاق صيحة فزع من خطورة تداعيات النقاب على طمس هوية المجتمع التونسي.
وتطالب تلك المنظمات بضرورة منع ارتداء النقاب في الأماكن العمومية والمؤسسات لأنه وسيلة لطمس هوية الأشخاص".
وتقود المنظمات النسوية التونسية جهودا لتوعية المرأة في الأحياء الشعبية وفي الجهات الداخلية بأن النقاب يعد لباسا دخيلا عن التقاليد التونسية إضافة إلى أنه رمز لمشروع يستنقص من مكانة المرأة ويحرمها من حقوقها ويهدف إلى حرمانها من المشاركة في بناء تونس الديمقراطية التي تتعامل مع المرأة باعتبارها مواطنة لا فرق بينها وبين الرجل.
وتقول أستاذة الحضارة الإسلامية بالجامعة التونسية رجاء بن سلامة إن "النقاب ظاهرة وهابية شجع على انتشارها الدعاة المشارقة الذين كرسوا منطق تقسيم التونسيات إلى "منقبات مؤمنات" و"سافرات كافرات".
مخاوف التونسيين
وتتجاوز مخاوف التونسيين والتونسيات من ظاهرة النقاب البعد الأمني وما يوفره هذا اللباس من غطاء للإرهابيين إلى مخاوف تتعلق بـ"اقتلاع المجتمع من جذوره التاريخية والحضارية وطمس ملامحه الاجتماعية".
ويذهب الباحث سامي براهم إلى أن "المخيف في النقاب ليس الخطر الأمني لأني لا أرى أنه يشكل خطرا في تونس، الخطر هو على النموذج الثقافي والمجتمعي الذي رسخته حركة التنوير والإصلاح في تونس منذ قرن من الزمان. الخطير أن تجد السلفية مشروعية لها داخل المجتمع وأن تعوض الدولة والنخبة والمجتمع المدني والأحزاب المدنية في القيام بأدوار متقدمة".
غير أن الأخصائيين الاجتماعيين يقللون من خطورة النقاب على مكاسب المرأة التونسية إذ يشددون على أن التونسيات اللواتي اكتسحن مختلف مجالات الحياة العامة ونجحن في الوصول إلى مراكز القرار الإداري والسياسي اكتسبن مناعة فكرية وسياسية ضد فيروس أصوات الجماعات السلفية.
ويضيف هؤلاء أن المرأة التونسية تقف على أرض حداثة متجذرة ثقافيا وحضاريا ما يجعلها قادرة على لفظ أي مشروع يستنقص من مكانتها أو من حقوقها أو من مشاركتها في الشأن العام لافتين إلى أن النقاب،علاوة على أنه شكل من أشكال الموضة التي رافقت صعود جماعات الإسلام السياسي، لا مستقبل له في بلاد جعلت من المرأة عنوانا للحداثة الاجتماعية والسياسية.

ميدل إيست

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى