في السنوات الأخيرة، ازدهرت موضة "التربية الحديثة" والعودة إلى الطبيعة في تربية الأطفال. عادت موجات دعم الرضاعة الطبيعية (لا سيما في الدول الأوروبية وبعض البلدان العربية)، ومنع الأطعمة المصنّعة، والاستعاضة عنها بتلك المعدّة في المنزل.
بحسابات بسيطة، فإن هذا يعني بصورة بديهية تكريس النساء وقتهن بشكل أطول في العمل الرعائي والمنزلي.
في الوقت الذي لطالما سعت فيه النساء إلى تقليص الفجوة في مواقع صنع القرار في سوق العمل، تأتي منظومة، تحت مسمى "التربية الحديثة"، لتدعو النساء إلى العودة إلى المنزل والاهتمام بالأسرة والأطفال. ترتكز هذه المنظومة على اقتصاد الرعاية، على اعتبار أن الاهتمام "النوعي" بالأطفال من شأنه أن ينتج قوى عاملة نوعية تصب في خدمة الاقتصاد في المستقبل.
أربعون عاماً فصلت بين ممارسة مشابهة لامرأتين في بلدين مختلفين. الأولى عام 1978، كانت تدرس وتعمل في الوقت نفسه، تعيل نفسها وعائلتها. حين تزوجت، حملت وأنجبت وتركت العمل. كرّست نفسها لزوجها وأسرتها وأولادها. هكذا كانت تقول. تقضي أكثر من 16 ساعة يومياً في العمل الرعائي. كبر أولادها وثمّنت أسرتها والمجتمع حجم "التضحية" التي قامت بها. حصل ذلك في لبنان.
الثانية تعيشُ في سويسرا. عام 2014، قررت البحث عن عمل بدوام جزئي لتكون قادرة على الاهتمام بطفلها. كانت تعي أن هذا الخيار سيؤثر على مسيرتها المهنية، لكن خيار الاهتمام بالطفل لم يكن مثار نقاش. ما فعلتهُ الأولى بدافع ثقافي واجتماعي، فعلته الثانية بدافع وخيار شخصي.
اليوم، وبعد أربعين عاماً، تقلّصت الفجوة في العمل الرعائي بين النساء والرجال، لكنها لم تصل إلى حد التكافؤ. وتشير الدراسة، التي أجراها مركز "بيو" للأبحاث في الولايات المتحدة الأميركية عام 2012، إلى أن معدل ساعات العمل الذي كانت تقضيه النساء في سوق العمل أسبوعياً عام 1965 هو ثماني ساعات، مقارنة بـ 42 ساعة للرجال. أما عام 2011، فارتفعت النسبة إلى 21 ساعة في الأسبوع مقارنة بـ 37 ساعة للرجال. خروج النساء إلى سوق العمل، والذي حاربن من أجله على مدى عقود، بات مهدداً من جديد. فهناك منظومة غير مرئية تلقي عبئاً مزدوجاً على النساء في المنزل، تجد أنه من الصعب أو المستحيل إيجاد توازن بين العملين.
إن أي كلام عن الحقوق الاقتصادية للنساء وأية حملة، تحمل شعار تحسين شروط العمل للنساء، ستبقى قاصرة من دون مقاربة موضوع اقتصاد الوقت واقتصاد الرعاية.