القطا وسبب تسميتها :القطـــــــا طـائر معروف , نوع من الحمام , وهو سريع الطيران , وإذا قصدت القطاه الماء اشتد طيرانها أكثر , سمي بذلك لثقل في مشيته , لقولهم " قطا يقطو" إذا ثقل مشيه , او اثـّـاقل في مشيته ، وتسمى واحدته " قطاه " وقيل سميت بذلك لأنها تصيح " قطا قطا " وهو اسم صوت للقطاه , سميت بالحروف التي تخرج من فيها , دل على ذلك بيت للنابغة الشاعر الأنيق المعروف :
تدعو قطا , وبه تُدعى إذا نُسبت = يا صدقها حين تدعوها فتنتسب
وللقطا موسم هجرة ، وكنا في بلاد الشام ننتظر هذا الموسم لنصطاد منه ، اذ يمتاز لحمه باللذة الفائقة ، وان أنسَ لا أنسَ رحلة صيد برفقة سيدي الوالد رحمه الله – وكنت صغيرا – الى منطقة مرج الصـفـّـر ، غرب قريتي في سيارة الدكتور المرحوم عدنان اللحام الدمشقي (اختصاص بأمراض العيون والأنف والحنجرة ) حيث عدنا محملين بأكوام من القطا ، وبتنا في أدســـم ليلة كنا نحلم بها ، ننوع الأكل بين قلي وشواء وسلق و( كبة نيئة !!)
ومما ينسب الى زرقاء اليمامة انها رأت سرب قطا في السماء فعرفت عدده من نظرة واحدة فقالت :
يا ليت ذا القطا لنا ***** ومثل نصفه ليـــــه
إلى قطاة أهلنا ***** أذن لنا قطــــا مِيَـه
واحصي عدد السرب فكان ستا وستين وصدقت رؤية الزرقاء وكانت مضرب المثل في حدة البصر ، واسماه النابغة في شعره حماما فقال مخاطبا الملك النعمان :
واحكم كحكم فتاة الحي اذ نظرتْ *** الى حمام سـراع واردي الثمد
قالت آلا ليتما هذا الحمام لنــــــا *** الى حمامتنــا او نصــفه فقدي
والقطا نوعان الجونيّ أي الفضي ، والكدري ، ومن أمثال العرب : ليس قطــا مثل قـطـيّ ، أي ليس الأكابر مثل الاصاغر !!!! ويقولون هو أهدى من القطــا ، لان القطاة تترك أفراخها فجرا في طلب الماء وتذهب مسيرة ليلة وتعود حاملة الماء للفراخ ولا تخطئ موقعها ، ويضرب المثل بصدقها ، ومنه قول الحريري في مقامته المعرية : اما الشيخ فاصدق من القطا ،،،،،،،،،، وريا ض القطا اسم موضع وفيه قال الشاعر :
فما روضة من رياض القطا *** ألـثّ بها عارض ممطـر (1) .
موطن القطا وسبب تسميته : يعرف موطن القطاة بالمفحص والأفحوص , وهو الموضع الذي تجثم فيه وتبيض , كأنه تفحص عنه التراب : أي تكشفه , والفحص هوا لبحث والكشف , (2) وقد ذكر الثعالبي في فقه اللغة : في تفصيل أمكنة ضروب من الحيوانات فقال : المراح للإبل , والإسطبل للدواب ,والزرب للغنم , والعرين للأسد , والوجار للذئب , والكناس للوحش , والأفحوص للقطا , والعش للطائر , والقرية للنمل , والخلية للنحل والجحر للضب والحية , أما الوطن فللإنسان " قال : إذا كان مكان الطير على شجر فهو وكر , وعلى جبل أو جدار فهو وكن , وإذا كان على وجه الأرض فهو أفحوص " (3) .
مواصفات طائر القطا البارزة :لطائر القطا خصائص تميز بها عن سائر الطيور مما جعله طائرا مميزا:
أولا : أن القطاة تفرد بجعل مفحصها على البسيطة دون سائر الطيور لتبيض فيه .
ثانيا: أنها يضرب بها المثل في الهدايه , لأنها تبيض بالقفر وتسقي أولادها من البعد في الليل والنهار , فتجيء في الليلة الظلماء وفي حوا صلها الماء , فإذا صارت حيال أولادها صاحت " قطا قطا " فلم تخطئ , بلا علم ولا إشارة ولا شجرة , فسبحان من هداها لذلك . ولذلك تقول العرب ( أهدى من قطاة ) كما أسلفنا آنفا (4) .
ثالثا : يضرب بها المثل بصدقها , فقد قالت العرب في أمثالها ( أصدق من القطاه ) (5) وبناء عليه علل أهل العلم تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم المسجد بمفحصها . إشارة إلى الإخلاص في بناء المسجد . فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي أخرجه ابن ماجه في سننه بسند صحيح من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا ( من بنى مسجدا لله ولو كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة ) (6) ولعل اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لموطن القطاة في حديثه دون سواه من مواطن الطيور أو غيرها لسبب أنها لا تبيض في عش أو على رأس جبل , وإذا أرادت أن تبيض فحصت في الرمل بجد وصدق واخلاص وكشفته حتى تضعبيضها فيه على بسيط الأرض , لذلك شبه النبي صلى الله عليه وسلم بمفحصها المسجد , ولأجل صدقها كما قيل عنها إشارة إلى الإخلاص في بنائه , كما أشار أهل العلم إلى ذلك (7) ، وهذه المثلية بين المسجد ومفحص القطاه لا يعلمها إلا الله سبحانه وما نذكره انما هو فيضات مما أفاض الله به علينا وفوق كل ذي علم عليم ,(8) أو أن المراد أن يشترك جماعة في بناء مسجد , كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (9) والله أعلم ، وهذا المسار من كلامنا يعتبر من المعجزات النبوية الدالة على صدق صاحب الرسالة ، وانه لا ينطق عن هــــوى .
رابعا : أن العرب تشبه الأطفال الصغار بزغب القطا بجامع الضعف بينها ,
قال الشاعر حطان بن المعلى الطائي :
أنزلني الدهر على حكمـــــه *** من شاهق عــــالٍ إلــى خفضِ
لولا بُنيّات كزغب القطــــــا *** رُددن من بعـضٍ إلـــــى بعـضِ
لكان لي مضطرب واســــع ***في الأرض ذات الطول والعرض
وإنمــــــا أولادنــا أكبادنا *** تـمْـشــــــــــــــي عـلـــى الأرض
لو هبَّتِ الريحُ على بعضهـم ***لامتنعت عيني من الغمض (10)
خامسا : والعرب أيضــا تشبه القلب والفؤاد بالقطا, فقد قال قيس بن الملوح :
كأن القلب ليلة قيل يُغدى ***** بليلى العامرية أو يراح
قطاة غرّها شرَك فباتت ***** تجاذبه وقد علق الجناح (11)
سادسا :أن العرب تصف القطا بحسن المشي لتقارب خطاها , و يشبهون مشي النساء الخفيرات على استحياء بمشي القطاه إذا أرادوا مدحهن , فقد قال عمرو الهجيمي :
أما القطاة فإني سوف أنعتها *** نعتا يوافق نعتي بعض ما فيها
تمشي كمشي فتاة الحي مسرعة ***حـذار قوم إلى ستر يواريها
تسقي الفراخ بأفواه مرققة *** مثل القوارير سُدت ْمن أعاليها (12)
سابعا : أن القطا تسير أسرابا وجماعات ,فقد قال العباس بن الأحنف :
بكيت على سرب القطا إذ مررن بي = فقلت ومثلي بالبكاء جدير
أسرب القطا هل من يعير جناحه = لعلي إلى من قد هويت أطير(13)
**ومن الملاحظ أنه أنزل غير العاقل منزلة العاقل فاستعار له لفظه .
ثامنا : تقول العرب " لوتُرك القطا ليلا لنام " وهو مثل يضرب لمن حُمل على مكروه من غير إرادته ,وقيل فيسبب هذا المثل : أن عمرو بن عمامة نزل على قوم من مراد فطرقوه ليلا , وأثاروا القطا من أماكنها , فرأتها امرأة وهي تطير فنبهت زوجها , فقال : إنما هذه القطا , فقالت : لو ترك القطا ليلا لناما "(14(
---------------------------------------
المصادر والمراجع
1لسان العرب " مادة قطا "محيط المحيط للبستاني /مادة ( ق ط و )
2النهاية في غريب الحديث 2/791
3فقه اللغة 1/66
4الحيوان للدميري 2/110
5 -لسان العرب " مادة قطا
6 سنن ابن ماجه برقم 738
7- عون المعبود 11/ 80 رقم 43838 - بلوغ المرام 1/ 375
-9- فتح الباري 2/ 307
- 10العقد الفريد 1/234
- 11معجم الأدباء 2/481
-12 نهاية الأرب 3/ 134
13- شرح ابن عقيل 1/ 148
14 – حياة الحيوان للجاحظ 2