ليس الآخر من يزرع الأوهام في نفوسنا فقط ، بل نحن أيضاً نزرع تلك الأوهام، الآخر يزرعها ولكن لا يمكن أن يبني منها قصوراً في نفوسنا، أما نحن فنشيد قصور الأوهام بأفكارنا وحين تنهار نبحث عن الجاني؛ لأن الأشد صعوبة من إنهيار القصور الخيالية هو مواجهة الذات بأوهامها المرضية.
***
قد تعتقدين بأن هذا عنوان غريب، وهو فعلاً غريب، ولكنه حقيقي. لقد ساهمت الأفلام والأغاني والروايات بل الأدب والثقافة كذلك بإقناع المرأة بان دورة حياتها الأهم والأجمل هي مرحلة الشباب وأن ما قبل ذلك هي طفولة عبثية وما بعد ذلك هي تعاسة شبة أبدية. علماً بأن مرحلة الشباب مرحلة قصيرة جداً إذا ما تم مقارنتها بسنوات العمر كله. والمشكلة في الشباب بأنه يمثل مغناطيس آسر للمرأة بعد بلوغها إلى بقية حياتها. فهي تتباهي بجمالها في شبابها بل وقد تعقد الصفقات العاطفية والزوجية مقابل هذا الجمال الفتي ؛ وحتى ولو لم تكن جميلة يبقى الشباب له رونق وبهاء حتى بالنسبة للمرأة غير الجميلة.
ولكن بعد إنقضاء سنوات الشباب والدخول بمرحلة التقدم في العمر وهي ليست الشيخوخة ولكن وفعلاً مغادرة عالم الشباب وتركه لفتيات صغيرات السن وفتيات يلفتن الأنظار تاركات الأكبر منهن سناً في الظل. فإلى أي مدى تتقبل المرأة هذا الإنحسار أو الجزر في حياتها؟
بعض النساء لا يتقبلن هذا الإنحسار ويعشن أزمة نفسية وجسدية حادة ويتشبثن بما تبقى لهن من جاذبية؛ وأحياناً قد تدخل المرأة في عالم تدور في فلكه وحدها بأوهامها بأنها لا تكبر بالسن وأن نضجها وما تبقى من جمالها كفيلان بأن يجعلاها تحافظ على معجبيها ومحبيها بمجتمع ما أو حتى على حب زوجها إلى ما لا نهاية.
وبعض النساء يستسلمن للتقدم في العمر، ولا يبذلن أي مجهود يذكر كي يحافظن على ما تبقى لهن من جمال، فتأتي مرحلة إهمال الذات جسدياً ونفسياً بل وعقلياً أيضاً وتجد أن أسهل الطرق مع التعامل مع أزمة الشباب الراحل هو نسيانه تماماً والغرق في السنوات القادمة والتي لا تقدم سوى شيخوخة كئيبة.
لقد آن للمرأة العربية بل وللعديد من النساء في مجتمعات متنوعة بأن تستيقظ لدورها في الحياة وتدرك بأن دورها ليس انثوي فقط بل انساني أيضاً؛ وان تؤسس لشخصية راسخة ناضجة مدركة لأهدافها ولدورها في الحياة سواء في منزلها أو في عملها؛ سواء كزوجة أو كأم.
الرجل لا يعاني من أزمة التقدم في السن، بل يعتبر ذلك أحد مكتسباته، لأنه يزداد خبرة وتعمق في جميع مناحي الحياة ويبدو أكثر هدوءاً وإستقراراً من المرأة. لأنه ومنذ نعومة أظافره أدرك بأن له وظائف ومهام في الحياة تتجاوز حدود فترة الشباب؛ بل إن فترة الشباب بالنسبة له هي فترة البناء؛ فلا يُبدي إهتماماً كبيراً لجماله وهو أمر طبيعي.
لقد كان جمال المرأة وشبابها مركز أساسي في سنواتٍ مضت، ولكن المجتمع العربي تغير وكذلك المجتمعات الغربية؛ أصبح هناك جميلات في كل مكان، ولم يعد من الصعب الحديث مع أي امرأة جميلة في ضوء تطورات إجتماعية وتكنولوجية هامة، ولذلك فلربما على المرأة أن تُعيد ترتيب أوراقها في مجتمعات تغيرت، وأن تدرك بأن الشباب لم يعد مرحلة طويلة وليس ساحر ولا آسر، وأن الرجل تغير وأنه يطلب من المرأة ما هو أكثر من الجمال والشباب.
هناك بنية مختلفة للمرأة في مجتمعنا المعاصر، وهناك مجتمع يتغير على مدار اليوم والشهر، وهناك رجل لم يعد تقليدي ولم يعد لديه امرأة واحدة في البيت، بل يُعرض عليه العديد من النساء بكل يوم. وهناك امرأة تعتقد بأن شبابها أهم ما بها ، وتنسى او تتناسى بأنه يذوي إلى أن يتلاشى وأنه سيتبقى لها العديد من السنوات دون هذا الشباب، فهل لديها الذكاء والعمق بأن تتعايش مع الحياة دون هذا الشباب؟ هل أعدت العدة لسنوات قادمة لا تلتفت إليها الأنظار حين تدخل لمكانٍ ما؟ هل أعدت نفسها لإحتمالية أنها لم تعد جميلة بالنسبة لزوجها بل وأنها تجد بأن جسدها يتغير من سنة لأخرى أنها ليست ذات المرأة التي كانت قبل عشر أو خمس سنوات؟
إن أرقى وأنضج وأهم مراحل حياة المرأة هو إدراكها العميق والراقي بانسانيتها بعيداً عن أنوثتها؛ أن تتمكن وبذكاء بأن تكون صديقة زوجها وابنها وكل من حولها بغض النظر عن كونها زوجة أو أم أو امرأة؛ أن تكون انسانة تسعى لرقي نفسي وحضاري خاص بها بغض النظر عن التجاعيد التي قد تطرأ على وجهها ؛ وأن تقدمها في السن هو فرصتها الذهبية لتكون انسانه حكيمة تمنح من حولها شيء اعمق من جمال الشباب. لذلك لابد للمرأة أن تحذر من شبابها لأنه قد يكون الإعاقة الأولى والأخطر نحو نضجها وفهمها الحقيقي للحياة؛ ولأنه أكثر ما يغرر بالمرأة حين تكون صبية وأكثر ما يزودها بالأوهام حين تتقدم بالسن؛ لابد أن تحذره وأن تتمتع به وهي تعلم بأنه سيمضي وأن هناك أشياء أهم لابد أن تنتبه لها وأن تبني حياتها على أساس من الواقعية وعلى أساس الأشياء التي لا تذوي وتفنى.