الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

حركة النهضة في ذكرى التأسيس من "الإسلام هو الحلّ" إلى "التوافق هو الحلّ"

  • 1/2
  • 2/2

حركة النهضة في ذكرى التأسيس من "الإسلام هو الحلّ" إلى "التوافق هو الحلّ"

الكاتبة الصحفية : عايدة بنكريم المسلمي - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

    ربما يكون من الخطأ ربط "عودة التديّن" في تونس الثمانينات بتعبيرات السياسة وحدها. وكذلك من الخطأ ربط عودة الممارسة السياسية داخل الحركة الإسلامية ما بعد الثورة بتعبيرات الدين فقط. لا شكّ في أنّ الحركة الإسلامية التونسية خلال الثمانينات استفادت كثيرا من الإسلام للتموقع في عمق المُجتمع التونسي، حيث لعبت الحركة دورا في إعادة صوغ "التديّن الشعبي التونسي" من أجل السيطرة على المُجتمع، خاصة عندما أدركت قيادات الحركة آنذاك عجز "الدولة الوطنية" على تأطير الحياة اليومية للشباب وملء الفراغ الأيديولوجي لشباب الجامعات والمعاهد الثانوية، الذين فقدوا الثقة في شعارات التيارات الشيوعية والقومية وباتوا يبحثون على شعارات ثورية بشحنة طهورية فكان شعار "الإسلام هو الحلّ". ولا شكّ كذلك أنّ حركة النهضة التونسية استفادت من مخزون الشعبية الذي وفّرته الثمانينات لتستثمره في انتخابات 2011. 
    لكن إن كانت الثمانينات تشهد على "عودة التدين" كما صاغته الحركة الإسلامية التونسية، فإنّ السنوات الأربع الأخيرة تشهد عودة الممارسة السياسية كما صاغتها حركة النهضة. وإن كانت الحركة الإسلامية في بداية تشكّلها رفعت شعارات "الإسلام هو الحلّ" فحركة النهضة خلال حملتها الانتخابية رفعت شعار "الليبرالية هي الحلّ".
    كيف انتقلت الحركة من ضفّة النضال الاجتماعي وشعارات "نصرة المستضعفين" إلى ضفّة التوافق مع سياسات الليبرالية والرأسمالية المُتوحّشة؟ كيف تحوّل خطاب الحركة من رفض الحداثة باعتبارها عملية تغريب للمجتمع والدعوة للعودة إلى الأصالة ومقوّمات الهوية (العروبة والإسلام) إلى الدفاع عن الحداثة ثقافة وتكنولوجيا وقيم سياسية واجتماعية؟ 
    لعلّ المجال هنا لا يسمح بالتعرّض بشكل دقيق للكثير من التفصيلات والحيثيات، ولذا نكتفي في ما نحن بصدده بهذه اللمحة الموجزة عن الديناميكية التي شهدتها الحركة خلال الأربع والثلاثين سنة الفارطة: ظهورها وتطورها وانتشارها. للنجد أنفسنا في الأخير وجها لوجه مع سؤال قد نطرحه ونتركه مفتوحا للنقاش، لأنّ مُعالجته تتطلّب قراءة عميقة في مسار الحركة وأدبياتها ومواقفها وبنيتها التنظيمية.
نشأت النواة الأولى لتنظيم الحركة الإسلامية التونسية في إطار المؤسّسات الدينية وفي المساجد بصورة خاصة، وهي عملية قادها نشطاء إسلاميون درسوا في المشرق العربي، وتتلمذوا على أيدي قادة الحركة الإسلامية هناك، وتأثروا بأفكارهم  وخاصة قادة الجماعات الإسلامية في مصر وسوريا. ومن أبرز هؤلاء القادة حسن البنا وسيد قطب ومحمد قطب ومصطفى السباعي وتقي الدين النبهاني وغيرهم.
    حمل راشد الغنوشي تلك الأفكار وخلاصات تلك التجارب لدى عودته إلى تونس، ترافقه نزعة تأسيس تنظيم سياسي هدفه "إقامة دولة إسلامية" ، وهي القاعدة الأساسية التي أرساها حسن البنا عندما أسس جماعة "الأخوان المسلمين" في مصر أواخر عشرينيات القرن الماضي، والتي نقلها عنه تلامذته وأنصاره.
    تأسست "الجماعة الإسلامية" التونسية في أواخر الستينات، ومن رموزها راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو، والتي تحوّلت إلى "حركة الإتجاه الإسلامي" في بداية الثمانينات ثمّ إلى "حركة النهضة" في أواخر الثمانينات (1989).
والملاحظ أنّ النواة الأولى للحركة الإسلامية في تونس أخذت في البداية الاتجاه السلفي الأخواني المنتمي فكرا وتنظيما إلى جماعة الأخوان المسلمين. وبيد أنّ تطوّر الحركة كان يتأثّر بشكل مُعلن أو مُضمر بتجارب الحركات الإسلامية في المشرق العربي، وبخاصة بتلك السجالات الدائرة حول إشكاليات "تجديد الفكر الديني" الذي شهدتها سبعينات القرن الماضي، الأمر الذي جعل الصراعات تبرز سواء في مستوى الأفكار والتنظيم أو في مستوى السياسة والممارسة، لدى مُختلف التيارات الإسلامية، ولعلّها كانت الميزة التي طبعت الحركة الإسلامية التونسية إلى حدود الثمانينات، حيث أخذت التمايزات بين القيادات المؤسّسة داخل الحركة تتلاحق وتقود إلى تحوّلات مُتعدّدة ذات طابع حركي وتنظيمي. ولعلّ خروج ممثلو تيّار "الإسلاميين التقدّميين" أو "اليسار الإسلامي" عن "الجماعة الإسلامية" إحدى نتائج هذا التمايز والصراع.
لم تكن هذه التحوّلات نتاج مراجعات فكرية أو تنظيمية، بل كانت وراءها عوامل عديدة يتداخل فيها المحلّي بالإقليمي والدولي، ويتشابك فيها الذاتي مع الموضوعي، بحيث يُصبح الفصل بين هذه العوامل صعبا جدّا بفعل التعقيدات التي كانت تختفي خلف ارتباط الحركة تنظيميا (بشكل سرّي أو علني) بتجارب الحركات الإسلامية في المشرق العربي.
وقد يضاف إلى هذه العوامل، تفاعل أبناء الحركة مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وصعود نفوذ وقوة الحركة الإسلامية في لبنان وخاصة في مواجهتها للغزو الإسرائيلي عام 1982، ثمّ انخراط الحركة الإسلامية الفلسطينية في النضال ضدّ الاحتلال ومشاركتها الملموسة في انتفاضة الضفة الغربية وقطاع غزة.
    ولعلّ العوامل المحلية كانت أكثر أهمية في تلك التحوّلات، لأنّ الواقع المحلّي كان مجال هذه التحوّلات وحقل اختبارها. وأيضا داخل الواقع المحلّي كانت تختفي المعطيات التي تجعل التحوّل صيرورة تاريخية.
    داخل الواقع التونسي نمت وكبرت أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية، بلغت أوجها بفعل سياسات التنمية التي اتبعتها "الدولة الوطنية" وريثة الدولة الاستعمارية، والتي قسمت البلاد نصفين وشطرت الوعي شطرين، وديكتاتورية الحزب الحاكم (الحزب الاشتراكي الدستوري) الذي أقصى أكثر من ثلثي المُجتمع عن الممارسة السياسية. وفي إطار محاولات التغلّب على الأزمة، أفسح النظام القائم آنذاك مجالا لنوع من الديمقراطية تتوافر فيه مستويات من التعدّدية السياسية، وأطلقت في بداية الثمانينات هامشا من حرية الإعلام والتنظم السياسي من أجل تنفيس الاحتقان داخل مُختلف مؤسّسات المُجتمع.
    اجتمعت هذه العوامل الموضوعية، لتمثّل شقّا مفصليا في العوامل المؤثّرة في تحوّلات الحركة الإسلامية. والشق المفصلي الآخر هو العوامل الذاتية التي أحاطت بنشأة الحركة وقياداتها وبُناها التنظيمية والاجتماعية، وطبيعة التفاعلات التي ربطتها ببقية الكيانات السياسية وبمحيطها بشكل عام.
    وربّما، الأهمّ من تلك العوامل الموضوعية والذاتية جميعا، هو وجود قيادات تنظيمية وفكرية وسياسية غير مُنسجمة في أنماط تفكيرها، وفي طريقة تعاطيها مع الشأن السياسي المحلّي. حيث غادر بعضها (وخاصة في الجامعة) المنطق التقليدي المعروف والسائد في الحركة الإسلامية الذي احتكم في أغلبه إلى النمط السلفي الأخواني، بينما بقي بعضها الآخر وفيا لنفس النمط فكرا وتنظيما وممارسة، وربّما ذهب جزء ثالث نحو الحلول العنيفة في الممارسة السياسية.
    ولعلّ ما جعل الحركة تتماسك وتستمرّ (ولو ظاهريا)، رغم التنافر بين أقطاب السياسة والتنظيم والدعوة، هو وجود شخصية محورية مُهيمنة اتسمت بالقدرة على التحليل والتركيب، وقراءة المعطيات واحتكارها، ودراسة التجارب وتحديد النتائج وحصرها، ممثلة في شخص رئيس الحركة راشد الغنوشي. هذه الشخصية المثيرة للنقاش تميزت بامتلاك عقل سياسي يمتلك أدوات استنباط الحلول والإجراءات المناسبة مع كلّ تحوّل يطرأ على الواقع المحلّي والإقليمي.
    وإجمالا يُمكن القول أنّ راشد الغنوشي مثّل المحور الذي انطلقت منه جميع التحولات الفكرية والسياسية والتنظيمية التي شهدتها الحركة طوال العقود الفارطة. ولذا يُمكن اعتبار مرور الحركة بمرحلة الإسلام التقليدي التونسي ثمّ التديّن السلفي الاخواني ليصل إلى التديّن العقلاني (الليبيرالي) هي تطوّرات شهدتها شخصية رئيس الحركة الذي بدأ مشواره السياسي ناصريا بعثيا ليمرّ بتجربة سلفية إخوانية ليصل إلى تجربة الإسلام المُعولم (الوسطي) الذي تُمثّله حركة النهضة التونسية في مرحلة ما بعد الثورة.
    الأكيد أنّ حركة النهضة التونسية مرّت بتحوّلات عميقة في مستوى الممارسة السياسية، تميّزت بالبراغماتية والواقعية، والأكيد أنّ الحركة في ظاهرها شهدت انتقال من نمط حركي إلى نمط آخر (ليس بالحزب ولا الحركة). لكن الأكيد كذلك أنّ هذه التحوّلات لم تُصاحبها تقييمات أو مراجعات ولم تكن إفرازا لنقاشات عميقة داخل الحقل الديني التونسي، ولا نتاج لحوار فكري داخل مؤسّسات الحركة.
    لكن يبدو أنّ راشد الغنوشي، الذي يستمدّ سلطته داخل الحركة من تضافر سلطة التاريخ والمعلومة والمال، جعلته يمارس هيمنته (المخفية) على جميع مؤسّسات الحركة، ويفرض خياراته الشخصية على سياسات الحركة وتوجّهاتها (بغطاء امتلاك المعلومة والتحكّم فيها).
    ويبدو كذلك أنّ راشد الغنوشي بصفته رئيسا للحركة الأكثر شعبية داخل المُجتمع التونسي، وبصفته الشخصية الأكثر تأثيرا في سياسيات البلاد وتوجّهاتها الاقتصادية والاجتماعية وفي تطوّر علاقاتها الإقليمية والدولية، أصبح يلعب دور المُحرّك لمسار الثورة والمحدّد لاتجاه عقارب بوصلتها.
    هذا الانحسار وهذه النزعة الجديدة، ولّدت ارتباكا لدى القيادات الوسطى لحركة النهضة، الذين وجدوا أنفسهم أمام تناقضات واقعية فرضتها عليهم التحوّلات السريعة في الممارسة السياسية لرئيس حركتهم من جهة، والمبادئ والشعارات التي تربّوا على وقعها ورفعوها (حتى وإن لم يؤمنوا بها) طوال العقود الفارطة من جهة ثانية. ممّا جعل بعضهم يفكّر في التخلّي عن رؤيته القديمة للأمور، والتي توصّل إليها عبر عقود من الممارسة السياسية الراديكالية، سعيا لإيجاد خطاب جديد يتّسم بالواقعية يزيل العوائق التي باتت تحول بين هذه القيادات وبين "قواعدهم العميقة" التي تمثّل الجزء الأكبر من "الشعب العميق" الذي عانى ولازال يعاني الإقصاء والتهميش والإذلال. ونتيجة لهذا الموقف الذي تتخفى وراءه ضبابية الرؤية وعدم امتلاك المعطيات للفهم والتحليل، والتي يحتكرها رئيس الحركة ويستعملها للتفاوض والضغط والتوجيه، تنتشر مفاهيم جديدة، ومنها الواقعية، والمصلحة الوطنية، والضرورات تبيح المحظورات، وغيرها من المفاهيم الشائعة والتي قد تكشف قريبا عن انتهازية لا مُستقبل لها.   
هذا ما يجعلنا نقف وجها لوجه مع سؤال حقيقي، لا يتعلّق فقط بمسار حركة النهضة واتجاه تطوّرها في مرحلة ما بعد الغنوشي، ولكن يتعلّق بمآل خيارات الحوار والتوافق، التي فرضها الغنوشي، على مُستقبل الثورة المغدورة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى