الفصْل العاشرُ
المشاريعُ الفاشِلَةُ المُفيدةُ

لم يتنازلْ دانيال، و لم ينسَ أبداً قول لِيا : " أعتقدُ أنَّ كلَّ ما قُمْنا به في عُطلةِ الرَّبيعِ ـ حتى مشاريعنا الفاشلة ـ كانَ مفيداً.. ".
لذا، و ما إنِ اجتمعَ الرُّفقاءُ في حديقةِ منـزلِها في اليوم الّذي تلا يومَ غسْلِ السّياراتِ لمناقشةِ ما حدثَ في ذلكَ اليومِ المشؤومِ، حتى عادَ فطرحَ سؤالَ لِيا حرفيّاً و انتظرَ الجوابَ من الجميعِ.
بدأت لِيا بالإجابةِ، فقالَتْ :
ـ اسمعْ يا دانيال. مَن منّا لم يكنْ يعرفُ أنه من الضَّروريِّ أن نعتمِدَ المشيَ رياضَةً للجسمِ و حفاظاً على البيئةِ من التَّلوِّثِ الّذي يصيبُها بسببِ المواصلاتِ ؟
قالَ دانيال :
ـ أكيد كنَّا نعرفُ، و لكنَّ رحلتَنا باءَتْ بالفَشَلِ.
و قبلَ أن يتبادلَ سامي و لِيا الاتِّهاماتِ بأنَّ الآخَرَ هو السَّببُ، تدخَّلَتْ يارا و قالَتْ :
ـ يعني أنَّ الفكرةَ كانتْ جيِّدّةً بحَدِّ ذاتِها و إنْ كانَ التَّنفيذُ خاطئاً، ما يعني أنَّنا سوف نتجَنَّبُ أسبابَ الفشَلِ في المرّاتِ القادمةِ.
قالَ دانيال هازّاً رأْسَهُ :
ـ آه.. فهمتُ. يعني لن نأخُذَ معَنا سامي و لِيا في المَرّاتِ القادِمةِ.
ضحِكَتْ يارا بينما سأله سامي غاضباً :
ـ و ماذا عن رحلةِ قَطفِ العسَلِ الفاشلةِ ؟
و قبلَ أن تجيبَ يارا، سألَتْه لِيا و هي تُقرِّبُ وجهَها من وجهِهِ و تحملِقُ عينيْها :
ـ إيهْ.. ماذا عنها ؟
هربَ ليجلِسَ في حمايةِ ظهرِ يارا التي قالَتْ :
ـ أيضاً كانَت فكرةُ الرِّحلةِ جيِّدَةً و إن كانَ التَّنفيذُ خاطِئاً. و هذا لا يعني أننا لن نأخُذَ، في المرَّةِ القادمةِ، دانيال معنا لقطفِ العسَلِ المفيد للصِّحَّةِ بطعمِهِ اللَّذيذِ و لممارسةِ رياضَةِ تسَلُّقِ التَّلَّةِ.
قالَتْ لِيا :
ـ يعني...
قاطَعَها سامي قائلاً لدانيال :
ـ يعني أننا سنذهبُ أنا و لِيا في رحلاتِ المشيِ كما ستذهبُ حضرتُكَ في رحلاتِ قطفِ العسَلِ القادمَةِ.
همَسَتْ لِيا في أذنِ سامي :
ـ إن شاء الله يأكلُهُ النَّحلُ في المرّاتِ القادِمَةِ.
و أَخفى سامي ضحكَةً خفيَّةً، كذلكَ فعَلَتْ يارا التي تابعَتْ مُتجاهلةً تعليقَ لِيا :
ـ طبعاً لن أتَهرَّبَ من الاعترافِ بفشلِ رحلتِنا إلى نهرِ بيتِ جدَّتي، و لكنني لن أدَّعيَ أننا لم نخرُجْ بنتائِجَ مهمَّةٍ فيما يتعلَّقُ بتلوُّثِ مياهِ الأنهارِ...
و تابعَ سامي :
ـ كذلكَ لن أدَّعيَ أنَّني و دانيال لم نَسبَحْ في بحرِ قُمامةٍ، و لن أدَّعيَ أنَّ نتائجَ هذه الرّحلةِ الفاشلةِ لم تُعرِّفنا إلى ما تعانيه البحارُ من تلوُّثٍ.
قالتْ لِيا :
ـ و أعتقدُ أننا استفدْنا من تجربة مدينة بوبال رُغمَ سوئِها..
قالتْ يارا :
ـ و مِن تكَوُّمِ النُّفاياتِ في قريتِنا..
قال سامي ضاحكاً :
ـ و من شجارِ طنط روز لنا.
و ضحكَتْ يارا حتى انهمرَتْ دموعُها :
ـ لا أستطيع أن أنسى الدُّبَّ الذي يعملُ حرائريّاً.
و ضحكَت لِيا أيضاً قائلةً :
ـ و لا أنسى سؤالَ طنط روز إن كانت سيَّاراتُ آبائِنا مَدْهونةً بالزّبدةِ.
قالَ سامي ضاحكاً :
ـ و لا أنسى قولَ يارا لها إِننا الجيشُ الأخضرُ و...
و قاطَعَته لِيا و قد طرأَتْ في ذهنِها فكرةٌ :
ـ الجيشُ الأخضرُ.. الجيشُ الأخضرُ....
قال دانيال :
ـ تعالَوا نُسَمِّ أنفسَنا الجيشَ الأخضرَ.
و قفزَ سامي بفرحٍ :
ـ موافقٌ..
و قالَت يارا :
ـ موافقةٌ.
و وافقتْ لِيا بدورِها :
ـ طبعاً موافقَةٌ.
و سُرَّ دانيال كثيراً لأنَّ الجميعَ تبنَّى فكرتَهُ. و لأوَّلِ مرَّةٍ يشعُرُ بأَنَّه صارَ كبيراً و صارَ مفكِّراً مهِمّاً أيضاً، فانطلَقَتِ الأفكارُ من رأسِه الصَّغيرِ بسرعةٍ :
ـ نكوِّنُ جمعيَّةً.
قال الجميعُ :
ـ جمعيَّةُ الجيشِ الأخضرِ.
قالَ سامي :
ـ و يكون شعارُها شجرةً خضراءَ...
فاعترضَ دانيال :
ـ بل شجرةٌ صفراءُ مريضةٌ.
التفتَ الجميعُ إليه بدهشةٍ، و قبلَ أن يسألوهُ ماذا يعني بطرحِهِ هذا الشِّعارِ، قالَ :
ـ أَلم تشرحوا لي منذ أكثرَ من ساعةٍ عن المشاريعِ الفاشلةِ المُفيدةِ ؟
قالَت يارا بسرعةٍ و عيناها تلمعان :
ـ آه.. فهمْتُ...
قال دانيال :
ـ سنحوِّلُ الشجرَةَ المريضَةَ الصَّفراءَ إلى صحيحةٍ خضراءَ.
قالَت لِيا :
ـ كما حَوَّلنا مشاريعَنا الفاشلةَ إلى مُفيدَةٍ..
هتفَ سامي :
ـ أحسنتَ.
فقال دانيال :
ـ و سيكون اجتماعُ الجمعيَّةِ غداً في السّابعةِ صباحاً.
اعترضَتْ يارا :
ـ اجتماعٌ فاشلٌ.
و نظرَ الجميعُ إليها :
ـ فاشلٌ ؟ لماذا ؟
قالتْ :
ـ غداً في السّابعةِ نكونُ في المدرسةِ، فقد انتهتْ عُطلةُ الرَّبيعِ.
شهقَ الجميعُ بأسفٍ، و جلسوا على كراسي الحديقةِ بحزن، فعلَّقَتْ لِيا بصوتٍ منخفض :
ـ آه.. كم تنقضي الأيّامُ السَّعيدةُ بسرعةٍ.
لكنَّ يارا تساءلتْ :
ـ هل كانتْ أيّاماً سعيدةً ؟
دافَعَ دانيال عن الفكرةِ :
ـ كانت أيّاماً فاشلةً و سعيدةً...
و ضحكَ الجميعُ و هم ينظرون إليه بإعجابٍ ما لبث أن وصلَ إلى ذروتِهِ حين وقفَ قُبالَتَهم قائلاً :
ـ نجتمعُ مساءً.
فعَلَتْ أصواتُهمْ موافقَةً :
ـ نجتمِعُ مساءً.. هيهْ...
و قبلَ أن يفترِقوا، كانت طنط روز بثوبِها الأخضرِ تدخلُ إِلى الحديقةِ مُقطبةً حاجبيْها بغضبٍ تصرُخُ في وجوهِهم :
ـ لماذا تَعلو أصواتُكمْ ؟
قالَت يارا :
ـ نحتفلُ بتأسيسِ جمعيَّةٍ...
نظرتِ العَجوز إليهم باسْتخفافٍ، و عادتْ فرسمَت على شفتَيْها الرّقيقتينِ ابتسامةً مائلَةً ساخرة و سأَلَتْ مُستنكرةً :
ـ جمعيَّةٌ ؟
و تابعَتْ ساخرة :
ـ جمعيةُ ماذا يا قلبي ؟ جمعيَّةُ الرِّفقِ بالحَيوانِ ؟
و قبلَ أن يقولَ سامي لها إنَّ فكرةَ الرِّفقِ بالحيوانِ فكرةٌ رائعةٌ و ستوليها جمعيَّتَهم أهميَّةً أيضاً كون الحيوانِ من أساسِ تشكيلِ البيئةِ، قالَتْ و هي تخرُجُ بسرعةٍ من الحديقةِ :
ـ ليتكم تؤسِّسون جمعيَّةَ الرِّفقِ بالجيرانِ.
و التفَتَتْ إليهم و قد تسمَّرتْ سَبَّابتُها نحوهم :
ـ أصواتُكُم عاليةٌ جدّاً... أخفضوها.
و سارتْ خطوتين ثم عادَت لترفع سبَّابَتَها من جديدٍ في وجوههِم :
ـ بل اخْفوها.
و لم يَجْرُؤ أَحدٌ على إِصدارِ صوتِ ضحكتِهِ، و حسَناً فعلوا، فقد عادَتْ لتنظرَ إليهم بعدما سارتْ خطوتينِ إلى الأمامِ :
ـ جمعيةٌ هه ؟ ألا تعتقدون أنَّ على الدبِّ أن يُنَعِّمَ يديهِ قبلَ أن يعملَ حرائريّاً ؟
أطرقوا جميعاً حابسينَ ضحكاتِهم إلى أن تأكَّدوا أنها غادرتْ، فهمسَتْ لِيا :
ـ نعم عليهِ أن يُنَعِّمَ يديهِ قبلَ أن يعملَ حرائريّاً.
و همسَ سامي :
ـ و علينا أن نخفِضَ أصواتَنا قبل أن تعلِنَ جمعيَّتُنا أنها تكافِحُ الضَّجيجَ.
و لكنَّ صوتُ دانيال علا و هو يُعْلِن :
ـ أقسمُ أنني فهمْتُ قصدَها حينَ تحدَّثَتْ عن الدُّبِّ و...
و قبل أن يكملَ، أطلَّ رأْسُها من خلفِ البوابَةِ الحديديَّةِ فتجمَّدَ الكلُّ في مكانِهِ و تجمَّدَتِ الكلماتُ في حلقِ دانيال خاصَّةً حينَ وضَعَتْ سَبّابَتَها على شفتيها طولاً قائلةً :
ـ هُسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسْ !