ثقافة و فن

لماذا لم يفز أدونيس بجائزة نوبل للآداب ؟

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

مُنذ عُقود، يتكرَّر السؤال في الأوساط الثقافية العربية : لماذا لم يحصل أدونيس ( وُلد 1930 ) على جائزة نوبل للآداب رغم حضوره العالمي وترجماته الواسعة ؟. ويكاد هذا السؤالُ يتحوَّل إلى مُسلَّمة ضِمنية تفترض أنَّه يستحق الجائزةَ، وأنَّ عدم منحه إيَّاها هو تقصير أوْ تحيُّز. غَيْرَ أنَّ مُقارَبة هذا السؤال بجدية تستدعي مراجعة نقدية عميقة لتجربته، بعيداً عن الهالة التي أحاطتْ باسمه، والنظر في أعماله بوصفها نصوصاً قابلة للفحص لا أصناماً ثقافية.

يُقَدَّم أدونيس غالباً كشاعر حداثي كبير، لكنَّ جُزءاً كبيراً من إنتاجه يُعاني من غُموض مُفرِط لا يَنتج عن كتافة دَلالية بِقَدْرِ ما يَعكس انفصالاً عن التجربة الإنسانية المُباشرة. الكثيرُ مِن نُصوصه تبدو مشغولة باللغة ذاتها أكثر من انشغالها بالمعنى، وكأنَّها تُمارس نوعاً من " الكتابة عن الكتابة ". هذا النمط قد يُثير الإعجابَ في إطار نُخبوي محدود، لكنَّه يفقد قُدرته على التأثير الواسع الذي يُعَدُّ أحد معايير التقدير العالمي. والأدبُ العظيم _ حتى في أكثر تجلياته حداثةً _ يحتفظ بخيط تواصل مع الإنسان العادي. أمَّا في تجربة أدونيس فنجد ميلاً واضحاً إلى الانغلاق داخل شبكة من الرموز والإحالات الثقافية المُعقَّدة التي تتطلَّب قارئاً متخصصاً لفكِّ شيفراتها. هذا لا يُعَدُّ ميزة، بَلْ يُفَسَّر على أنَّه عَجْز عن بناء خطاب إنساني شامل، وهو ما يَجعل أعماله أقل قُدرة على اختراق الثقافات المختلفة مُقارَنةً بأدباء عالميين آخَرين.

لا يُمكن فصل شِعر أدونيس عن مواقفه الفكرية التي أثارتْ جدلاً واسعاً، فقد تبنَّى خطاباً نقديّاً حادّاً تجاه التراث العربي والإسلامي، لكنَّه في الوقت نَفْسِه لَمْ يُقَدِّمْ بديلاً فكريّاً متماسكاً. هذا التناقضُ جعل مشروعه قائماً على الهدم لا البناء، وهو ما يُضعِف مِن قيمة " المشروع الأدبي المتكامل " الذي تَبحث عنه لجان الجوائز الكُبرى. ورغم ترجمة أعماله إلى لغات عديدة، فإنَّ تأثير أدونيس في الأدب العالمي ضعيف ومحدود. والحُضورُ الأكاديمي أو الاحتفاء النقدي لا يكفيان، إذْ إنَّ الجائزة غالباً ما تذهب إلى مَنْ يَترك أثراً عميقاً في الوعي الإنساني العام، لا في دوائر نقدية ضيقة فقط. وهُنا يَظهر الفرقُ بين الانتشار الشكلي والتأثير الحقيقي.

إنَّ أدونيس شاعر نُخبوي بامتياز، وهذه النُّخبوية تحوَّلت إلى حاجز يفصل نصوصَه عن جمهور واسع. والأدبُ الذي ينحصر في طبقة محدودة يفقد أحد أهم شروط الخُلود، وهو القُدرة على التجدُّد عبر القُرَّاء المُختلفين، وهذا يُفَسِّر عدم حصوله على تقدير عالمي بحجم نوبل.

يُؤْخَذ على أدونيس أنَّ كثيراً من نصوصه تبدو وكأنَّها عميقة، لكنَّها في الواقع غارقة في التجريد والالتباس إلى حَد يُفْقِد المَعنى. والغُموضُ هُنا ليس نتيجة كثافة فكرية، بَلْ هو سِتار لُغوي يُخْفي فراغاً دَلاليّاً، والقارئُ يَخرج بانطباع أنَّه أمام نَص كبير، لكنَّه يعجز عن الإمساك بفكرة مُحدَّدة. وأدونيس _ رغم ادِّعائه التجديد والتحديث _ قد قطع الصلةَ مع التراث دون أن ينجح في بناء بديل مُقْنِع. وشِعْرُه لا يُحفَظ، ولا يُتداوَل شفهيّاً، ولا يعيش في الذاكرة الجَمَاعِيَّة. وهذا يُعتبَر مُؤشِّراً على أنَّ مشروعه نُخبوي أكثر مِمَّا هو شِعْري حَي. كما أنَّ مشروعه يبتعد عن الذاكرة الشِّعْرية العربية الجَمَاعِيَّة، وهو لَمْ يَكتب نُصوصاً تُحْفَظ وتُرَدَّد، بَلْ كتبَ للنُّخبة المُثقَّفة فقط، والجُمهورُ لا يَجد في نُصوصه صَدًى أوْ حياةً. وخِطابُه النقدي ومواقفه الفكرية أعطت انطباعاً لدى البعض أنَّه يُقَدِّم نَفْسَه كمشروع حضاري كامل لا كشاعر فقط، وهذا التضخم انعكسَ على شِعْره، حيث يَظهر كأنَّه يكتب أفكاراً فلسفية بلباس شِعْري أكثر مِنْ كَونه يَصنع تجربة شِعرية نابضة.

ورغم مسيرته الطويلة، فإنَّ أدونيس يُكرِّر نَفْسَ الثيمات ( الهدم، الثورة، الأُسطورة )، ويُعيد تدويرَ الرموز نَفْسِها، دُون تطوُّر حقيقي في الأدوات أو الرؤية، وكأنَّ الشاعر عالقٌ في دَوَّامة واحدة لَمْ يجدْ مَخرجاً لها، مِمَّا يَجعل تجربته الشِّعْرية محدودة وغَير مُتجددة، ويَجعل مشروعَه يَدور في حَلْقة مُغلَقة.

وقدْ تعرَّضَ لانتقادات حادَّة بسبب مواقفه السياسية والثقافية والاجتماعية، فهو مُراقِب مِنْ بعيد، ومُنفصل عن مُعاناة الواقع، وَمُتردِّد في مواقف مِفْصَلية. وهذا أضعفَ صورته كشاعر" ثَوْري "، إذْ بدتْ ثَوريته لُغوية أكثر مِنها واقعية. وبعبارة أُخرى، إنَّ الثَّورية عِنده شِعارات لُغوية أكثر مِنها فِعْلية أوْ مَلموسة، وهذا أضعفَ صُورةَ الشِّعْرِ الذي يُفْتَرَض أنْ يَكُون مُعبِّراً عَنْ هُمومِ العصر، ومُعاناةِ الشُّعوب، وآلامِ الأوطان.

يُمكن تفسير عدم فَوز أدونيس بجائزة نوبل للآداب ( مِن زاوية نقدية ) بِعِدَّة أسباب :

     1 _ شِعْرُه صعب الترجمة والتلقي عالميّاً بسبب كثافته الرمزية المُرتبطة بالسياق العربي، وهذا الرَّمزية مُغلَقة تصل إلى حَد الإبهام والإخفاء والغُموض وعدم الوضوح. وبسبب صُعوبة الترجمة، وغُموضِ الرُّموز، يُصبح مِن الصعب على لجنة عالميَّة تَقْييمه مُقارَنةً بشعراء تَركوا أثراً عالميّاً ملموساً.

     2 _ الانفصال عن الواقعِ والجُمهور.

     3 _ تأثيره العالمي ضعيف ومحدود مُقارنة بأسماء أحدثتْ تحوُّلاً كَونيّاً واضحاً في الأدب.

     4 _ الجدل حَول شخصه ومواقفه جَعَلَ صُورته إشكالية ثقافيّاً.

     5 _ مشروعه لَمْ يَنجح في إحداث نقلة نَوعية حاسمة في الشِّعْر العالمي.

     6 _ التناقض بين ادِّعاءِ الحداثة وادِّعاءِ التمسُّك بالتُّراث.

     7 _ المَيل إلى المثالية النظرية على حساب التواصل الإنساني.

     8 _ الانحياز الفِكري الذي يَحُدُّ مِن الشُّمولية وتقديمِ رُؤية مُتكاملة.

أدونيس شاعر يُجيد صناعة الهالة أكثر مِمَّا يُجيد صناعة الدهشة الحقيقية. ونُصوصه تَبدو كبيرة من الخارج، لكنَّها عِند التحليل كثيراً ما تَكشف عَن تفكُّك، وتَكرار، وغُموض بلا ضرورة.

وهو يميل إلى لُغة مُعقَّدة ومُحمَّلة بالرموز المُستعصية، تَجعل القارئَ يَشعر بالارتباك أكثر مِن الإلهام. والشاعرُ الحقيقي يترك أثراً في النَّفْس، أمَّا أدونيس فيترك القارئَ تائهاً بين الأساطير القديمة والفلسفةِ المُستعصية، دُون أنْ تُقَدِّم نُصُوصُه شُعوراً حقيقيّاً، أوْ تجربة إنسانية ملموسة.

أدونيس شاعرٌ يتوهَّج اسْمُه أكثر مِنْ نَصِّه. الهالة التي أحاطَ بها نَفْسَه أبهرت البعضَ، لكنَّها لا تُخفي حقيقة أنَّ شِعْرَه مَحصور في دائرة ضَيِّقة. وَمِنَ المُستحيل أنْ يَفوز بجائزة نوبل للآداب، لأنَّ جائزة نوبل تَبحث عن الشِّعْرِ العالمي، وهو الذي يَقُوم على تجربة إنسانيَّة حقيقية، لا مُجرَّد فِكرة فلسفية مَلفوفة بالكلمات الكبيرة.

يُعتبَر أدونيس أحد أبرز الرموز الشِّعْرية العربية الحديثة، لكنَّ هذه المكانة لَمْ تمنعه مِن الوقوع في تناقضات داخلية واضحة في نُصوصه وأفكاره، تَحُدُّ مِن قِيمته كأديب عالمي، وتضع علامات استفهام حَول مُنطلقاته النَّقْدية في الشِّعْرِ والفِكر. وقِراءةُ شِعْرِه بِعَيْن ناقدة تَكشف ضعفاً جَوهريّاً في بُنيته الفَنِّية، وفلسفته النَّقْدية، وتناقضاً صارخاً بين طُموحه التَّجديدي وقُدرته على التواصل الإنساني العميق. وهكذا تتحوَّل اللغةُ إلى جِدار أمام القارئ، بدل أنْ تَكُون جِسراً للعاطفة، أو التجرِبة الإنسانية المُشتركة، لذلك فإنَّ نُصوص أدونيس مُغْلَقَة على نَفْسِها، ومَحرومة مِن التواصل المُباشر مع القارئ العادي. وهُنا يَظهر ضعفُ أدونيس، فقدْ تَمَكَّنَ مِن بناء لُغة فلسفية مُبْهِرة، لكنَّه فشلَ في جَعْلها لُغة يعيشها الناس.

أحد أكثر التناقضات وُضوحاً في شِعْر أدونيس هو مُحاولته الجمع بين الحداثة والتجريب مِنْ جِهة، وبين التمسُّك بالرموز الأُسطورية مِنْ جِهة أُخرى. وهو يُعلِن ضرورةَ التحرُّر مِن التُّراث، والبحثِ عن هُوِيَّة جديدة للشِّعْر العربي، لكنَّه في الوقتِ ذاته يَحِنُّ إلى الأساطير القديمة، ويتشبَّث بِصُوَر رمزية يَصعُب على القارئ الغَرْبي أوْ حتى العَرَبي استيعابَها دُون دِراسة عميقة. وهذا التناقضُ بَين التحرُّر مِن القديمِ والانغماسِ فيه، يَصنع شُعوراً بعدم الاتِّساق، ويَجعل المَشروعَ الشِّعْري أكثرَ تعقيداً بِلا آفاق ولا رُوح ولا حياة.

أدونيس يَميل إلى المثالية المُطْلقة في تصوُّراته عن الشِّعْرِ والحُرية والإنسان، ويَكتب عن تحطيم التقاليد والفِكرِ البائس، إلا أنَّ نُصوصه تَكشف ضعفاً في مُلامسةِ الواقع الإنساني، فهو لا يُقَدِّم حُلولاً أوْ رُؤى واقعية، بَلْ يَبقى مَحصوراً في الشُّعورِ بالتَّحَسُّرِ والتمرُّدِ النظري. وهُنا يَظهر التناقض : شاعر يَسعى إلى التغيير والتحرُّر، لكنَّه في شِعْره يَكتفي بالإدانةِ دُون تقديم حُلول عملية، مِمَّا يُقَلِّل مِنْ أثره الإنساني في النُّصوص، ويَجعلها صَعبةَ التقدير على مُستوى عالمي.

وأهمُّ نقطة ضعف في أدونيس هي نظرته النقدية الحادَّة التي تتجاوز الشِّعْرَ لِتَدخل في الفلسفةِ والسِّياسةِ والدِّين، وهذا يُفْسِد التوازنَ الفَنِّي للنَّص، فهو يُهاجم الأديانَ والتقاليدَ والشُّعوبَ أحياناً بشكل عام، مِمَّا يَضع شِعْرَه في مُواجهة القارئ بدلاً مِنْ أنْ يكون مساحة للحِوار الإنساني، والتفاعل الأخلاقي، والتسامح الأخوي، وهذا مَنَعَه مِنْ أنْ يكون شاعراً عالميّاً مَقبولاً. ونُصُوصُ أدونيس تفتقر إلى الإيقاع الموسيقي الشِّعْري الذي يَجعل الشِّعْرَ تجربة حَيَّة للمُتلقي. فهو يُركِّز على الرمزية والفلسفة أكثر مِن المُوسيقى الداخلية للكلمة، وهذا يُضْعِف الجانبَ الحِسِّي للشِّعْر، ويَجعل نُصُوصَه أقرب إلى مقال فلسفي مِنْه إلى قصيدة تُؤَثِّر في القلبِ قبل العقل. وغِيابُ الإيقاعِ العاطفي في شِعْرِه حالَ دُون اعتباره شاعراً عالميّاً ذا بَصمة كَوْنِيَّة.

عدمُ فَوز أدونيس بجائزة نوبل للآداب لَيس نتيجة مؤامرة أوْ ظُلْم، بَلْ هو انعكاس طبيعي لحدود تجربته. ورغم مكانته الأدبية في العالَم العربي، فهو لَيس فوق النقد، وأعمالُه لَيستْ بِمَنأى عن المُساءلة. وإعادةُ تقييم تجربته بإنصاف ومَوضوعية تكشف أنَّ حُضوره الكبير في الثقافة العربية لا يُوازي تأثيراً عالميّاً عميقاً، وأنَّ الغُموض، والنُّخبوية، والتناقض الفِكري، كُلها عوامل ساهمتْ في عدم فَوزه بالجائزة. وَتبدو تجربة أدونيس مُثْقَلَة بتناقضات حادَّة ومواقف مُلتبسة، كشفتْ هَشاشةَ خِطابه، وعَرَّت ادِّعاءاته الفِكرية، رغم مَا يُحيط بِه مِنْ هالة ثقافية. وهذا الاضطرابُ الصارخ في رُؤيته ومواقفه كانَ سبباً في تَهميشه مِنْ قِبَل جائزة نوبل للآداب وعدم الاعتراف بِه كشاعرٍ عالمي صاحب مشروع أخلاقي وإبداعي وفِكري.

رُبَّما يكون السُّؤال الأجدر لَيْسَ : لماذا لَمْ يَفُزْ أدونيس بجائزة نوبل للآداب ؟، بَلْ : هَلْ كانتْ تَجربته مُؤهَّلة فِعْلاً لتجاوز حدود الإعجاب المَحَلِّي إلى مُستوى العالميَّة الحقيقية ؟.

 

المجلة غير مسؤولة عن الآراء و الاتجاهات الواردة في المقالات المنشورة

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا