ثقافة و فن

رواية نادي ديوارس للكاتب مروان منير: ملحمة الرفض والتمرد.. حينما تقرر الروح استرداد كرامتها في المشهد الأخير

تستقر رواية نادي ديوارس تأليف الكاتب مروان منير، كعلامة فارقة في أدب الدراما الاجتماعية المعاصرة، حيث يقتحم منير من خلالها مناطق شائكة في العلاقات الإنسانية والزوجية والاجتماعية ولا يقدم مجرَّد سرد لقصص عابرة، بل تشريح نفسي لمفاهيم الحرية، العجز وسطوة المجتمع على قرارات الفرد، مسلِّطاً الضوء على حق الإنسان في قول كلمة (لا) حينما يصبح الاستمرار نوعاً من الموت البطيء.

يطرح الكاتب مروان منير في رواية نادي ديوارس الصادرة عن دار سما للنشر والتوزيع، والتي سجَّلت حضوراً لافتاً في معارض الكتاب الكبرى كالقاهرة والإسكندرية، تساؤلاً فلسفياً عميقاً حول أبسط الحقوق الإنسانية؛ حق الرفض من خلال حوار مكثَّف، تستعرض الرواية عجز ملايين النساء حول العالم عن النطق بكلمة "لا"، تلك الكلمة المكوَّنة من حرفين لكنها تزن حياة كاملة.

يصدم الكاتب القارئ بقرار "دولت" المجنون وهو التفكير في استئصال الرحم؛ ليس لعلَّة طبية، بل كفعل احتجاجي نهائي ضد حياة تُفرض عليها، أو ربما هروباً من دور "الأمومة" الذي قد يكون في ظروف معيَّنة عبئاً لا يحتمل النفسي منه أكثر من الجسدي، يتساءل منير عبر شخصياته: هل هذا الفعل تدمير للذات أم هو بديل عن الانتحار؟ إنها مواجهة مباشرة مع أحكام المجتمع التي تلاحق المرأة بلقب "العانس" أو "العقيم" بمجرَّد خروجها عن النمط السائد.

* عائلة "صفوت الجمال": صراع الطبقات 

ينتقَّل بنا الكاتب مروان منير إلى زاوية أخرى من زوايا رواية نادي ديوارس، حيث يسلّط الضوء على حياة المحامي "صفوت الجمال" وزوجته "صافيناز"، هنا، نحن أمام دراما عائلية مغلَّفة بصراع طبقي ونفسي حاد، "صافيناز" التي تفتخر بنسبها للمستشار نبيل سالم، تمارس "سادية" عاطفية تجاه زوجها، محملة إياه مسؤولية إعاقة ابنهما الأكبر "شادي" الذهنية، بربطها بمرض عمته العقلي.

يرسم الكاتب مروان منير ببراعة ملامح هذا البيت المتصدع؛ حيث الأسماء (أيمن، كريم، جميلة، مشيرة) تتحوَّل إلى ساحات قتال لإثبات السيطرة، المحامي "صفوت" الذي يحقق انتصارات قانونية مدوِّية، كالدفاع عن فلاح بسيط ضد جبروت ضابط شرطة، يجد نفسه مهزوماً داخل جدران بيته، يقتات فقط على براءة طفلته "مشيرة" وصمته أمام ابنه "شادي" الذي يراه ضحية لقدر غير منصف.

* الروح التي تأبى النهاية: رد الكرامة المهدورة

تتجلَّى رمزية الكاتب مروان منير في المشهد الذي يصفه بـ "اللحظات المروِّعة"؛ لحظة إسدال الستار وكتابة كلمة "النهاية"، لكن في رواية نادي ديوارس، الروح لا تنصاع بسهولة لموت الأحلام، يصور الكاتب الروح وهي تمحو كلمة النهاية لتعود وتسترد كرامة أُهدرت وأحلاماً تكسَّرت على صخرة الجبروت.

هذا النفس السردي يمنح الرواية بعداً وجودياً، فالنهايات ليست دائماً كما يكتبها "الفُجَّار" أو الظالمون، بل هناك دائماً فرصة لاستعادة الحقوق المسلوبة حتى في المشهد الأخير، الرواية هي محاولة لترميم النفوس التي تعرَّضت لـ "عوامل تعرية" إنسانية قاسية ومحاولة لإيجاد "مدرِّس تفصيل" للحياة، يفهم تعقيداتنا ويتحمَّل إخفاقاتنا.

* أسلوب الكاتب مروان منير: الكلمة الراقية في مواجهة الهزل

يتميَّز أسلوب الكاتب مروان منير في رواية نادي ديوارس بقدرة فائقة على "التغيير" والتلاعب بالشخصيات، متنقلاً بها من الواقع المعاش إلى "قمة الهزل والجنون" أحياناً، ليعبّر عن اللامعقول الذي يحكم مجريات الأمور، إنه يكتب ليخلق شخوصاً من خياله ترد الاعتبار لمن لا يجرؤون على إحداث التغيير في واقعهم.

رغم الوجع الممتد في صفحات رواية نادي ديوارس، إلا أن الكاتب يحرص على "الكلمة الراقية الرقيقة" التي تتوغل في أعماق الإنسان البسيط، مبتعداً عن قصص العنف المبتذل أو الخوارق الزائفة، ليعود بنا إلى أصل الصراع: الإنسان في مواجهة أخيه الإنسان والإنسان في مواجهة قدره.

تمثّل رواية نادي ديوارس عمل أدبي ثقيل يضع القارئ أمام مرآة نفسه، هل نملك الحق في قول "لا"؟ وهل نملك الشجاعة لتحمل تبعاتها؟ الكاتب مروان منير، من خلال "دار سما"، قدَّم وثيقة اجتماعية تدعو لاستجماع القوى والتركيز للوصول إلى "القرار الصائب" قبل أن يُسدل الستار نهائياً، إنها دعوة للتفكير السليم في زمن "البومة" التي تنهق بالخراب وللبحث عن "الجمال" الحقيقي الذي يمحو ندبات الروح.

 

المجلة غير مسؤولة عن الآراء و الاتجاهات الواردة في المقالات المنشورة

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا