إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن
لم ينقل الكاتب الفِلَسطيني جبرا إبراهيم جبرا ( 1919_ 1994 ) النظامَ الفني الذي تقوم عليه رواية الصخب والعنف ( نُشرت عام 1929 / تُرجمت إلى العربية عام 1961 ) للروائي الأمريكي وليام فوكنر (1897_ 1962 / نوبل 1949 )، بل نقلَ الرواية إلى نظام لغوي عربي أكثر انتظاماً وانضباطاً مما تحتمله طبيعتها الأصلية.
وهُنا يصبح السؤال الحقيقي: ماذا يبقى من "الصخب والعنف" إذا جرى تهذيب أصواتها، وتسوية تفاوتاتها اللغوية، وتخفيف غرابتها، وإعادة ضبط إيقاعها، والتعامل معَ اضطرابها الأسلوبي بوصفه مشكلة ينبغي حلها بدل اعتباره جزءاً من بنائها؟. يبقى قَدْر مهم من الحكاية، وتبقى الشخصيات والأحداث والصور الكبرى، لكن شيئاً جوهريّاً من الطريقة التي صنع بها فوكنر روايته يتعرض للتآكل، وهذا هو موضع الخلل الأكبر في ترجمة جبرا.
المشكلة ليست في نقل الكلمات، بل في نقل الرواية نفسها. "الصخب والعنف" ليست رواية يمكن التعامل معها باعتبارها سلسلة من الجُمل والمعاني التي يكفي العثور على مقابل عربي لها. الرواية مبنية على تفكك الوعي، والتداخل الزمني، وتفاوت الإدراك، واختلاف الأصوات، واضطراب العلاقة بين الذاكرة والحاضر، والانتقال من الوعي الفردي إلى الصوت الاجتماعي والثقافي المحيط بالشخصيات. لذلك فإن لغة الرواية ليست وعاء للأحداث، وإنما جزء من الحدث نفسه.
حين تتغير اللغة تتغير الشخصية، وحين تتغير درجة اضطراب اللغة تتغير طبيعة الوعي، وحين تختفي الفوارق بين الأصوات تختفي فوارق أساسية بين الشخصيات، وحين يصبح الإيقاع أكثر استقامة يصبح الزمن أكثر استقامة، وحين تُمحَى العلامات التي تجعل النص غريباً ومربكاً يصبح القارئ أمام رواية أسهل، لكنها ليست الرواية الأصلية. وهذا تحديداً ما يُضعف ترجمة جبرا.
تعاملَ جبرا مع مادة فوكنر باعتبارها مادة أدبية ينبغي إعادة إنتاجها بلغة عربية متينة ومتماسكة، بينما كان المطلوب في حالة كهذه أن تحافظ الترجمة على مقدار الفوضى المقصودة في الأصل، والتوترِ بين اللغة والمعنى، والتشققِ الداخلي في الأصوات، والمسافةِ الاجتماعية والثقافية التي تجعل بعضَ الكلام مختلفاً عن بعضه الآخر. والمترجم هُنا لا يملك حق تسوية كل شيء، ولا تجوز تسوية الفوارق بين الأصوات.
مِن أهم أخطاء جبرا في ترجمته أنه يميل إلى منح الشخصيات والأصوات المختلفة مستوى لغويّاً أكثر تجانساً مما ينبغي. وهذا ليس تفصيلاً أسلوبيّاً. فوكنر لا يجعل الشخصيات تتحدث بالطريقة نفسها، ولا يجعل وعيها يتحرك بالطريقة ذاتها، ولا يمنحها الدرجة نفسها من التنظيم الذهني واللغوي. اللغة عنده تحمل الطبقة الاجتماعية، والمنشأ، والوعي، والاضطراب النفسي، والذاكرة، والعمر، والبيئة، والعلاقة بالقوة والآخرين.
عندما تُنقَل هذه الأصوات إلى عربية فصيحة رصينة ذات نبرة متقاربة، يحدث نوع من التسطيح. تصبح الشخصيات، على مستوى اللغة، أقرب إلى بعضها مما هي في الأصل. وهُنا تفقد الرواية تعددها الصوتي.
المشكلة أن الفُصحى التي اختارها جبرا لا تؤدي الوظيفة التي كانت تؤديها الاختلافات اللغوية في النص الأصلي. أصبحت الفروقُ الاجتماعية والصوتية أقل وضوحاً، وتَحَوَّلَ الاختلافُ بين الشخصيات من اختلاف في طريقة الكلام والرؤية إلى اختلاف في مضمون الكلام وحده. وهذا فرق بالغ الأهمية. الرواية لا تقول فقط إن شخصاً مختلف عن شخص آخر، إنها تُسمِع القارئ هذا الاختلاف، وعندما لا تنقله الترجمة، فإنها تفقد جزءاً من هندسة الرواية.
أحد أكثر العيوب إزعاجاً في ترجمة جبرا هو تحويل الغرابة إلى فصاحة، فهو يميل إلى العربية الأدبية المصقولة، وهذا يتعارض معَ طبيعة النص الأصلي الذي كتبه فوكنر.
فوكنر لا يكتب دائماً لكي يكون جميلاً. أحياناً يكتب لكي يكون مضطرباً، أو متقطعاً، أو غائماً، أو ناقصاً، أو عَصِيّاً على الترتيب. هذه الصفات ليست عيوباً في النص الأصلي تحتاج إلى إصلاح، بل هي أدوات روائية، وتقنيات سردية، وأسلوب مقصود ومتعمد لإيصال أفكار مُعيَّنة.
أمَّا ترجمة جبرا التي تحرص على إنتاج عبارة عربية مكتملة ومتماسكة وأنيقة في كل موضع، فهي تجعل ما كان مقصوداً أن يبدو مضطرباً أكثر وضوحاً مما ينبغي. وهُنا يتحوَّل المترجم من ناقل إلى محرر للنص. والمشكلة أن التحرير غير مُعلَن. والقارئ العربي يقرأ نصّاً عربيّاً متماسكاً، وسوف يظن أن هذا التماسك موجود في النص الأصلي بالدرجة نفسها، بينما جزء من خصوصية فوكنر قائم على مقاومة هذا التماسك.
جبرا لا يخطئ فقط عندما يترجم معنى بطريقة أقل دقة، بل يخطئ أيضاً عندما يجعل النص يقول الشيءَ بطريقة تختلف عن الطريقة التي اختار فوكنر أن يقوله بها. والطريقةُ في الأدب ليست زينة، الطريقة هي المعنى.
"الصخب والعنف" من الروايات التي تجعل الوعي مادة سردية قائمة بذاتها. الأفكار لا تأتي دائماً في ترتيب منطقي، والذكريات لا تظهر وفق خط زمني مستقر، والانفعالات تتداخل معَ الحواس والصور، والزمن الداخلي لا يطابق الزمن الخارجي. لذلك فإن أية ترجمة تميل إلى ترتيب العبارة، وإزالة الالتباس، وتثبيت العلاقات بين الجُمل تضعف تيارَ الوعي، حتى لو بقيت المعاني الأساسية موجودة. وهذا من العيوب الجوهرية في ترجمة جبرا.
حافظَ جبرا على كثير من المادة، لكنه لم يحافظ على درجة اضطرابها. والنتيجة أن القارئ العربي يستطيع أن يتابع الرواية، لكنه لا يعيش الاضطرابَ الداخلي الذي أراد فوكنر أن يجعل القارئ يعيشه. وهُنا ينبغي التفريق بين فهم الرواية واختبار الرواية.
الترجمة الجيدة لا تكتفي بأن تجعل القارئ يعرف ما الذي يحدث، عليها أن تجعله يختبر كيف يحدث الإدراك داخل الرواية. وإذا كان النص الأصلي يجعل القارئ يتعثر في الوعي، ثم تأتي الترجمة لتزيل هذا التعثر، فإنها لم تعد تؤدي الوظيفة نفسها، مهما كانت عباراتها جميلة.
واللهجات في "الصخب والعنف" ليست زخرفة محلية فحسب. إنها مرتبطة بالهوية والطبقة والتاريخ الاجتماعي والعلاقات بين الشخصيات. عندما تُرَد هذه المستويات المختلفة إلى عربية فصيحة متقاربة، فإن النتيجة ليست مجرَّد فقدان نكهة محلية، وإنما ضياع البناء الاجتماعي للصوت. لهذا فإن من أكبر عيوب ترجمة جبرا أنها لا تعطي الفروق اللهجية والاجتماعية وزنها الفني. وكان ينبغي البحث عن تدرجات في العربية، ومستويات مختلفة من الفصاحة، وتفاوت في البنية والتركيب والإيقاع والمعجم، بحيث يشعر القارئ بأن الأصوات ليست صادرة من حنجرة لغوية واحدة. أمَّا جعل الجميع يتكلمون داخل فضاء عربي فصيح متقارب، فهو حل مريح للمترجم، لكنه مدمر للرواية، ويقضي على تميُّزها وفرادتها.
والتعدد الصوتي في "الصخب والعنف" ليس تعددًا في المتكلمين فقط، إنه تعدد في طُرق رؤية العالَم. كل صوت يحمل معه منطقاً خاصّاً في ترتيب الأشياء، وتفسيرها، وتذكُّرها، وربطها ببعضها. وعندما تضع الترجمة هذه الأصوات في لغة واحدة شبه متجانسة، يختفي التعدد، وتتحوَّل الرواية من بنية تتصارع فيها أصوات وطرائق إدراك إلى نص تتكلم فيه شخصيات متعددة داخل نظام لغوي واحد مستقر. وهكذا تخسر الرواية المترجمة الأسلوبَ الفني الموجود في النص الأصلي. وفوكنر لا يريد من القارئ أن يسمع أصواتاً فقط، يريد منه أن يشعر بأن كل صوت يصنع عالَمه الخاص. ومشكلة جبرا أنه ينقل الأصوات، لكنه لا يحافظ على المسافات الفاصلة بينها.
من السهل النظر إلى علامات الترقيم باعتبارها مسألة تقنية ثانوية، لكن هذا خطأ كبير في قراءة فوكنر. علاماتُ الترقيم في النص الأدبي تتحول إلى أدوات للتحكم في النَّفَسِ والإيقاع والتوقف والتوتر والانتقال بين الأفكار. وعندما يتصرف المترجم في هذه العلامات بطريقة تجعل الجُمل أكثر انتظاماً، فإنه لا يُغَيِّر الشكلَ فقط، بل يُغَيِّر طريقةَ القراءة، ويُحطِّم زوايا الرؤية.
في ترجمة جبرا، يظهر هذا الخلل في التعامل معَ البنية الإيقاعية للنص. هناك مَيل إلى جعل الجُملة العربية أكثر قابلية للقراءة وفق الأعراف العربية المعتادة، في حين أن غرابة فوكنر جزء من أسلوبه الفني المقصود. والنتيجة أن القارئ العربي يحصل على إيقاع أكثر استقراراً من الإيقاع الذي ينبغي أن يصطدم به.
يمكن بسهولة اكتشاف خطأ معجمي، لكن الأخطاء الأكثر خطورة في هذه الترجمة ليست في الكلمات المفردة، وإنما في الأصوات. الجملةُ قد تكون صحيحة من الناحية المعجمية والنحوية، لكنها خاطئة روائيّاً إذا خرجتْ من فم شخصية بطريقة لا تشبهها، أو جاءت بنبرة لا تناسب وعيها، أو إذا بدَّدت التوترَ الذي يصنعه السياق. والقوةُ اللغوية لا تعني الأمانة الفنية، قد تكون الجُملة العربية أجمل من الأصل، ومعَ ذلك تكون الترجمة أسوأ. وقد تكون العبارة العربية أقل أناقة، لكنها أقرب إلى روح النص.
في ترجمة "الصخب والعنف" كان ينبغي أن تكون الأولوية للصوت، وإيقاعِ الوعي، والاختلاف بين المتكلمين، والاضطراب المقصود، وليس إنتاج عربية أدبية مصقولة في كل صفحة. ومشكلة جبرا أنه يترجم المعنى، ويترك الحدثَ اللغوي. وهذه هي المشكلة الأكثر تعقيداً.
والجملة الأدبية قد تؤدي وظائف متعددة في وقت واحد، تحكي، وتوحي، وتُشوِّش، وتكشف شخصية، وتُخفي معلومة، وتُنتج إيقاعاً، وتصنع مسافة بين القارئ والمتكلم. وإذا نَقَلَت الترجمة المعنى المعجمي وحده، فإنها تكون قد نقلت طبقةً واحدةً، وتركت الطبقات الأخرى. وهذا يحدث بدرجات مختلفة في ترجمة جبرا. إنَّه يوصل قَدْراً كبيراً من المحتوى السردي، لكنه لا يحافظ على الحدث اللغوي الذي يصنعه فوكنر. وهُنا تكمن المفارقة، يمكن للقارئ أن يقرأ الترجمة، ويفهم الرواية، ثم يخرج بانطباع عن فوكنر أكثر انتظاماً مما ينبغي. وهذا في حد ذاته دليلٌ على أن الترجمة غيَّرت تجربة النص.
حين يفقد المترجم خاصية في النص الأصلي، قد يحاول تعويضها بخاصية أخرى. وهذا يبدو واضحاً في تجربة جبرا، فهو عاجز عن المحافظة على مستويات التعدد، أو الغرابة، أو اللهجة، فَيُعَوِّض ذلك بجزالة عربية وصياغة أدبية قوية. لكن التعويض ليس حقيقيّاً. إذا كان الأصلُ فقيراً في الزخرفة، وغنيّاً بالاضطراب، فلا يمكن أن تُعوِّض اضطرابَه بثراء العبارة. وإذا كان الأصل قائماً على تفاوت الأصوات، فلا يمكن أن تُعوِّض اختفاءَ هذا التفاوت بجودة عربية عامة. والترجمة ليست ميزانية مالية يمكن أن تخسر في بند، وتربح في بند آخر، ثم تخرج متعادلة. هناك خصائص لا يُعوِّض بعضُها بعضاً.
أخطر ما يمكن أن يحدث في ترجمة كاتب ذي صوت شديد الخصوصية هو أن يبدأ صوتُ المترجم بالظهور فوق صوت المؤلف. وفي ترجمة جبرا يمكن ملاحظة حضور المترجم بوصفه كاتباً عربيّاً له ذائقته الخاصة، ولغته الخاصة، ومَيله الخاص إلى الفصاحة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح صوتُ المترجم أكثر وضوحاً من الاختلافات التي أراد المؤلف أن يجعلها واضحة. وهُنا يفقد القارئ خشونةَ فوكنر، ومحليته، وتشظيه، وغرابة صوته. يصبح الأمريكي فوكنر عربيّاً، وهذا عَيْبٌ كبير في الترجمة.
هناك اعتقاد ساذج في التعامل معَ الترجمة الأدبية يقول إن المترجم الناجح هو الذي يجعل النص سهل القراءة. وهذا غير صحيح، خصوصاً معَ رواية مثل "الصخب والعنف". إذا كان النص الأصلي صعباً لأن بنيته صعبة، فإن تخفيف الصعوبة يعني إلغاء جزء كبير من التجربة والرؤية. وليس دور المترجم أن يحمي القارئ من النص. القارئ يجب أن يواجه صعوبة النص، خصوصاً عندما تكون هذه الصعوبة جزءاً من بنائه الجمالي وأسلوبه الفني وتعقيده السردي المقصود.
من الخصائص المركزية في الرواية أن الزمن لا يتحرك بالطريقة نفسها في كل مستوياتها. هناك زمن خارجي، وزمن ذاكرة، وزمن شعور، وزمن نَفْسي يتوقف أو يقفز أو يكرر نفسه. اللغة هي التي تجعل هذه المستويات محسوسة. وعندما تصبح الجملة العربية أكثر استقراراً، وتُضبَط الروابط، ويخف اضطراب الانتقال، يصبح الزمن أكثر قابلية للمتابعة، لكن ما يُسهِّل متابعة الأحداث يُضعف الإحساسَ بتشظي الزمن، وهذا التشظي مقصود في الأصل، وليس عفويّاً أو تلقائيّاً. وترجمة جبرا تساعد على تنظيم ما كان فوكنر قد تركه غير مُنظَّم عمداً، ليُشير إلى صراع الشخصيات على الصعيدَيْن النَّفْسي والاجتماعي.
أخطأ جبرا حين اعتقدَ أنَّ الفصاحة يمكن أن تنقذ كُلَّ شيء. الفصاحة ليست تذكرة مرور إلى الأمانة. قد تكون اللغة العربية رفيعة، ولكن إذا كانت ترفع صوتَ المترجم فوق أصوات الشخصيات، فهي تصبح مشكلة. وقد تكون الصياغة جميلة، ولكن إذا مَحَتْ غرابةَ الأصل، فهي تصبح مشكلة.
خسرت الروايةُ في ترجمة جبرا العربيةِ التعددَ، واللهجةَ، والتفاوتَ الاجتماعي بين الأصوات، والاضطرابَ المقصود، والإيقاعَ، والقوةَ البصرية للنص، والشعورَ المزعج الذي يجعل القارئ غير واثق من الزمن، والذاكرة، والمتكلم، وحدود الواقع والوعي. وهذه ليست خسائر هامشية. إنها مرتبطة مباشرة بالطريقة صَنَعَ فوكنر بها الروايةَ.
عَجَزَ جبرا عن المحافظة على الآليَّات اللغوية والفنية والسردية الموجودة في الأصل. لقد نقلَ الرواية، لكنه أعادَ تنظيمها، وأخضعَ صَوْتَها لِصَوته الخاص، وخفَّف أسبابَ صعوبتها، ولم يحافظ على البنية التي تجعل المضمونَ يعمل بطريقة فوكنر. ولا ينبغي للمترجم أن يكون وصيّاً على المؤلف، وليس مطلوباً من المترجم أن يُعيد إنتاج نص المؤلف اعتماداً على رؤيته الشخصية.
المجلة غير مسؤولة عن الآراء و الاتجاهات الواردة في المقالات المنشورة